سياتل
في أحد أحياء مدينة سياتل الهادئة، كانت نيكول أوروزكو فوريرو — الشابة القادمة من كولومبيا — تملأ المكان دفئًا وطمأنينة. بعينيها الهادئتين وابتسامتها الوديعة، كانت ترعى الأطفال الأمريكيين ذوي الإعاقة كما لو كانوا أبناءها. لم يكن ذلك مجرد عمل، بل رسالة إنسانية تمارسها بروح أمٍ تعرف معنى الألم والخوف والحنين.
قبل عامين فقط، كانت نيكول تبحث عن فرصة جديدة للحياة، فهربت مع زوجها وطفليها من تهديدات العصابات في بلدها. وصلت إلى الولايات المتحدة تحمل حلم الأمان، وعملت في حضانة أطفال منزلية بواشنطن، حيث سرعان ما أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياة العائلات التي اعتمدت عليها.
كانت نيكول تمتلك موهبة فريدة في التعامل مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة؛ صبورة، حنونة، وتعرف كيف تجعلهم يشعرون بالأمان. إحدى الأمهات وصفتها بأنها "بركة حقيقية لا تُقدّر بثمن"، وأخرى قالت: "فقدانها يشبه فقدان أحد أفراد العائلة".
لكن في صباح الثامن عشر من يونيو/حزيران 2025، تحوّل كل شيء فجأة.
ذهبت نيكول إلى موعدها الشهري المعتاد مع وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE)، كما اعتادت أن تفعل منذ رفض طلب لجوئها العام الماضي. لم تكن تعلم أن هذا اللقاء الروتيني سيكون آخر يوم لها في حريتها.
بعد ساعات قليلة، وصلت رسالة قصيرة إلى أحد أقاربها:
سوف يرحلوننا... أشعر أنني سأُغمى عليّ... أنا آسفة، لم يكن هذا ما توقعناه."
تم احتجاز نيكول وزوجها وطفليها — خوان ديفيد (7 أعوام) ودانيال (5 أعوام) — ونقلهم إلى مركز احتجاز عائلي في تكساس، على بُعد أكثر من 2000 ميل.
كان خوان ديفيد مريضًا بمرض نادر في الكلى لم يُشخّص بعد. أطباء مستشفى الأطفال في سياتل كتبوا إلى سلطات الهجرة مؤكدين أن الطفل يحتاج إلى البقاء في الولايات المتحدة لتلقي العلاج، لكن مناشداتهم لم تُجدِ نفعًا.
قال طبيبه في رسالة رسمية:من الضروري أن يبقى خوان في الولايات المتحدة لإكمال التشخيص والعلاج. أي انقطاع في الرعاية قد يهدد حياته."
في تلك الأثناء، كانت صديقتها وصاحبة الحضانة، ستيفاني ويشون، تبذل كل ما بوسعها لإنقاذهم. اتصلت بالمحامين، وتحدثت إلى المسؤولين، وحاولت أن تمنع ترحيلهم. لكن القرار كان قد اتُخذ.
تم ترحيل العائلة إلى كولومبيا بعد نحو شهر من الاحتجاز.
اليوم، عادت نيكول إلى نقطة البداية، لكن بأحلام محطّمة.
في بيتها الصغير في بوغوتا، يحاول دانيال مواساة والدته، بينما يُرسل رسالة صوتية لصديق العائلة في أمريكا:
مساء الخير ستيفاني... نحن بخير، لكن أمي حزينة جدًا. شكرًا على كل شيء. الله يباركك."
أما في سياتل، فتقف الحضانة التي كانت نيكول تستعد لافتتاحها — "أحلام كبيرة للأطفال الصغار" — خالية إلا من الألعاب المبعثرة، والجدران التي تحمل ملصقات الألوان والكلمات الأولى.
بيت صغير كان يمكن أن يكون ملاذًا للأطفال، تحول إلى رمز للفقد.
تقول ستيفاني بأسى:في كل سنوات عملي، لم أقابل شخصًا بمسؤولية وتفانٍ مثل نيكول. لم تكن تهديدًا. كانت نعمة."
قصة نيكول أوروزكو فوريرو ليست مجرد حكاية ترحيل، بل صورة حية لما يحدث حين يُحتجز الأمل، وحين تُصبح الرحمة جريمة، وحين يُعاقب من اختار أن يمنح الحب في وطن لا يمنحه الأمان

0 comments:
إرسال تعليق