طرابلس –الحرة
تشهد ليبيا تصاعدا لاحتجاجات شعبية واسعة وسط مخاوف من أن تتحول البلاد، المنهكة بالحروب والانقسامات، إلى محطة جديدة لتوطين المهاجرين القادمين من أفريقيا جنوب الصحراء، في ظل ما يعتبره ليبيون "صفقات غامضة" مع دول أوروبية للحد من تدفق المهاجرين نحو القارة العجوز.
في ميدان الجزائر بطرابلس، ارتفعت هتافات المحتجين: "لا للتوطين.. ليبيا ليست رواندا"، تعبيرا عن رفض متزايد لأي ترتيبات قد تجعل البلاد ملاذا للمهاجرين، وسط تقارير عن عروض وتفاهمات بين أطراف ليبية ودول غربية في ملف الهجرة.
تحركات ليبية – بريطانية مثيرة للجدل
الجدل تفجّر بعد إعلان مسؤولين في "الجيش الوطني الليبي" استعدادهم للتعاون مع المملكة المتحدة لاحتجاز المهاجرين غير النظاميين وترحيلهم قبل بلوغهم أوروبا.
وقال اللواء خالد السرير، نائب رئيس جهاز مكافحة الهجرة في المنطقة الشرقية، إن بلاده تسعى إلى "وقف هذه المشكلة دون مساعدة مالية"، مطالبا بتبادل الخبرات ورفع القيود المفروضة على المعدات التقنية بسبب العقوبات الأممية.
ويرى المحلل السياسي كامل المرعاش أن العرض الليبي جاء تتويجا لتقارب تدريجي بين المشير خليفة حفتر والسفير البريطاني في ليبيا، مشيرا إلى أن "لندن ترغب في إبقاء الحوار مفتوحا لكنها مترددة في دعم حفتر عسكريا بسبب تحفظات سياسية".
ليبيا تستقبل المهاجرين... من دون استعداد
وفق بيانات منظمة الهجرة الدولية (IOM)، تستضيف ليبيا قرابة 900 ألف مهاجر من 44 جنسية، في حين تقول وزارة الداخلية في طرابلس إن العدد الحقيقي قد يتجاوز 2.5 مليون، معظمهم دون وضع قانوني واضح.
ويتركز وجودهم في طرابلس ومصراتة، ويعمل أغلبهم في قطاعات الزراعة والبناء والخدمات.
المحلل السياسي صلاح البكوش يرى أن الأزمة تتجاوز قدرة أي طرف ليبي، موضحا أن "الهجرة غير النظامية تتدفق عبر حدود واسعة من السودان وتشاد والنيجر ومصر، في ظل غياب تنسيق إقليمي حقيقي".
"نموذج رواندا" يعود إلى الواجهة
الجدل الدائر أعاد إلى الأذهان التجربة البريطانية – الرواندية، التي نصت على ترحيل طالبي اللجوء إلى رواندا قبل أن تُلغى بقرار قضائي عام 2023.
ويرى مراقبون أن بعض الدول الأوروبية تنظر إلى ليبيا كبديل محتمل بسبب موقعها الجغرافي واتساع أراضيها، رغم هشاشتها السياسية والأمنية.
لكن رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، أحمد حمزة، استبعد تمامًا أن تتحول ليبيا إلى "رواندا جديدة"، قائلا:
البلاد غير صالحة للعيش حتى لسكانها، فكيف يمكن أن تستقبل المهاجرين؟ لا يوجد استقرار، ولا بنية قانونية، ولا مؤسسات قادرة على حماية أحد.
صفقات أوروبية.. بأشكال مختلفة
في عام 2024، أعلنت بريطانيا عن تقديم مليون جنيه إسترليني لدعم برامج "العودة الطوعية" في ليبيا، ضمن جهود الحد من الهجرة. غير أن وزير الداخلية الليبي عماد الطرابلسي وصف التعاون الأوروبي بأنه "ناقص ومنحاز"، مشيرا إلى أن "الأوروبيين يريدون فقط منع المهاجرين من الوصول إلى شواطئهم".
ويرى طارق لملوم، رئيس مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء، أن الاتحاد الأوروبي "يتعامل مع ليبيا كجدار صدّ للهجرة، لا كشريك في الحلول"، مشددا على أن “كل ما يقدمه الأوروبيون لا يتجاوز الدعم الفني والتمويل المحدود دون حلول إنسانية حقيقية”
الهجرة كورقة سياسية
تزايدت الشكوك عقب تصريح رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة عام 2024 بأن "ليبيا بلد واسع يمكن أن يستوطن فيه كثير من المهاجرين"، وهو تصريح فُسّر على أنه تلميح إلى صفقة توطين محتملة قبل أن يتراجع عنه لاحقا.
في المقابل، استخدمت الحكومة المكلّفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد الملف ذاته للهجوم على الدبيبة، متهمة إياه بتهيئة الأرضية لتوطين المهاجرين "تحت غطاء التنظيم الإداري".
ويؤكد مراقبون أن ملف الهجرة تحوّل إلى سلاح سياسي في الصراع بين الشرق والغرب الليبي، حيث يسعى كل طرف لاستخدامه لكسب دعم خارجي أو شرعية دولية.
اتهامات متبادلة... وضحايا منسيون
تبادل الاتهامات لم يغيّر واقع المهاجرين الذين يعيشون أوضاعا مأساوية في مراكز احتجاز غير خاضعة للرقابة.
وتشير تقارير هيومن رايتس ووتش إلى أن استمرار الدعم الأوروبي لخفر السواحل الليبي "يمثل تمويلا للعنف"، وأن آلاف المهاجرين يُعادون قسرا إلى ظروف احتجاز ترقى إلى "جرائم ضد الإنسانية".
الاتحاد الأوروبي حوّل ليبيا إلى خط دفاع خارجي عن أوروبا، متجاهلا مسؤوليته الإنسانية والقانونية"، يقول الحقوقي أحمد حمزة.
تتجمع كل خيوط الأزمة في مشهد واحد: ليبيا الغارقة في الانقسام السياسي تُستخدم كورقة في لعبة أوروبية – محلية، بينما يبقى المهاجرون الضحية الأكبر.
فبين طموحات القوى الليبية، ومخاوف الأوروبيين من موجات الهجرة، وغياب استراتيجية وطنية موحدة، تبقى البلاد على حافة تحول خطير... من دولة عبور إلى "رواندا جديدة" على ضفاف المتوسط.

0 comments:
إرسال تعليق