أوتاوا
تشهد كندا حالة من القلق المتزايد حول سياسة الهجرة بعد سنوات طويلة كانت فيها من أكثر دول العالم ترحيباً بالمهاجرين. تغيّر المزاج العام بات مكشوفاً في استبيانات الرأي التي تظهر مدى القطيعة بين الرأي الشعبي وبين حجم التدفق الكبير للقادمين الجدد.
بحسب بيانات رسمية، أعلنت حكومة Immigration, Refugees and Citizenship Canada (IRCC) أنها استهدفت في خطة 2024-2026 استقبال نحو 485 000 مقيم دائم جديد في عام 2024، على أن يرتفع هذا الرقم إلى نحو 500 000 في 2025 و2026.
ثم في خطة لاحقة، تم تعديل الأرقام هبوطاً: 395 000 مقيم دائم في 2025، و380 000 في 2026، و365 000 في 2027.
هذا التصاعد الكبير – ولاحقاً التراجع – في الأرقام ترافق مع دخول كندا بالفعل أعداداً قياسية من المهاجرين، سواء المقيمين الدائمين أو من العمال الأجانب المؤقتين والطلاب الدوليين. بينما لا تتوفّر دائماً أرقام دقيقة تفصلها حسب السنوات بالضبط، فإن المصادر تشير إلى أن عدد المهاجرين الجدد – الدائمين وغير الدائمين – ارتفع إلى نحو أكثر من نصف مليون سنوياً في السنوات الأخيرة.
وهذه الوتيرة السريعة تجد عكسها في المزاج الشعبي. ففي استطلاع انتشار أجرته Environics Institute في خريف 2024، قال نحو 58 ٪ من الكنديين إن «مستوى الهجرة إلى كندا مرتفع جداً».
وفي نسخة محدثة لصيف/خريف 2025، بلغت النسبة 56 ٪ من المستطلَعين الذين يرون أن كندا «تقبل عدداً زائداً من المهاجرين».
في السياق نفسه، أظهر استبيان لـ Pollara Strategic Insights أن الصافي الإيجابي لدعم الهجرة – الذي كان +31 في عام 2002 – تراجع بحلول عام 2025 إلى نحو +2 فقط.
العوامل المحفّزة على التغيير
الملاحظ أن هذه التحولات في الرأي تتزامن مع مجموعة من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية:
السكن وارتفاع التكاليف: وفقاً لتقرير Abacus Data، ذكر 73 ٪ من المستطلَعين أنهم يرون أن الهجرة تُفاقم مشكلة «توفر وأُثمان المساكن».
الضغط على الخدمات العامة: نحو 62 ٪ قالوا إن الهجرة تؤثّر سلباً على قطاع الرعاية الصحية، و59 ٪ يرون تأثيراً على الخدمات الاجتماعية.
البطالة أو توقف الدخل: رغم أن الهجرة غالباً تُسوّق كأداة لتعزيز نمو الاقتصاد وسد عجز القوى العاملة، إلا أن الواقع شهد ركوداً في الدخل الفردي وارتفاعاً في تكاليف المعيشة، مما غذّى الربط الشعبي بين زيادة الهجرة والمشكلات الاقتصادية.
تفاوتات حسب العمر والموقع الحزبي
الآراء تختلف بشكل ملحوظ حسب الفئة العمرية والانتماء السياسي:
شباب العمر (18-24 سنة) يبدي انفتاحاً نسبياً أكبر على الهجرة: في استطلاع Leger لـ أغسطس 2025، قال 46 ٪ من هذه الفئة إن كندا «تحتاج إلى مهاجرين جُدداً»، مقابل 54 ٪ عارضوا ذلك.
أما من هم أكبر سناً، فقد ارتفعت نسبة المعارضة إلى أكثر من 60 ٪ في بعض المقاطعات (مثل أونتاريو وألبرتا).
من الناحية الحزبية، يتبيّن أن أنصار حزب Conservative Party of Canada أكثر تشدّداً تجاه مستويات الهجرة: مثلاً، في استطلاع Environics، فقط 21 ٪ من أنصاره قالوا إن للهجرة أثر إيجابي على الاقتصاد، بالمقارنة بنتائج أخرى للحُزبان الليبرالي والنّيو ديموقراطي.
مآلات وتأثيرات محتملة
أمام هذا التقارب بين ارتفاع الأعداد وانحسار الدعم الشعبي، تبدو الحكومة الكندية في موقع إعادة التقييم: ففي خطة 2025-27 خفضت الحكومة أهدافها لتدفق المقيمين الدائمين، وجعلت أيضاً حصولاً أولياً على أهداف جديدة للوافدين المؤقتين (طلاب وعمال) في محاولة لتخفيف الضغوط على البنى التحتية والخدمات.
كما أن التحوّل الشعبي يحمل دلالات سياسية مهمة: فمسألة الهجرة لم تعد فقط موضوعاً تقنياً لإدارة الحدود، بل صارت عامل استقطاب سياسي يُؤثر في التوزّع الحزبي، وفي استراتيجيات الأحزاب التي تحاول احتواء قلق الناخبين بشأن تكاليف المعيشة والهوية.
الخلاصة
من كان يرى في كندا نموذجاً للدولة المنفتحة والمستقبِلة، أصبحت اليوم البلاد في مفترق طريق: بين الحاجة الاقتصادية – التي تدفع إلى استقبال مزيد من الوافدين خاصة في فئات المهارت والعمل – وبين ضغط الرأي العام الذي بات يشكّك في ما إذا كان المستوى الحالي «مُستداماً» أو «ما زال مرحّباً به دون حدود».
سيكون من المهم متابعة ما إذا كانت الحكومة ستعيد ضبط سياسة الهجرة بصورة تتماشى أكثر مع المزاج الشعبي، أو ستستمر في تبنّي مقارَبة تفضّم الأعداد وتصرّ على النمو – وعندها ستكون النتائج على مستوى الاقتصاد والمجتمع بعيدة المدى.

0 comments:
إرسال تعليق