داخل قاعة نقابة الصحفيين المصريين، وفي يوم تضامني نظمته لجنة الحريات مساء السبت، تحوّلت الفعالية إلى مساحة اعتراف كبرى، حيث امتزجت شهادات الناجين بشهادات خبراء عاشوا، تابعوا، أو وثّقوا ما يجري في دارفور.
كان الجميع يتحدثون بصوت واحد: "ما يحدث في الفاشر ليس حدثًا عابرًا، بل كارثة إنسانية تتوسع كل يوم."
وقد قام المركز السويدي لتنمية اللاجئين بمتابعة هذا الحدث وتوثيقه، في إطار عمله المستمر على رصد الانتهاكات الإنسانية المرتبطة بالنزاع في السودان، واعتبر المركز أن ما سُجّل خلال الفعالية يُعد امتدادًا لما يرصدونه ميدانيًا من شهادات وآثار الحصار والعنف.
"هربت حافية… وكل ما أردته أن أبقى حيّة"
بدأت شهادات الناجين بسرد امرأة عشرينية نجت من موجة العنف:"استيقظنا على طرق عنيف على الأبواب… ركضنا إلى الخارج وأنا حافية. كنتُ أظن أنني سأفقد حياتي تلك اللحظة."
وصفت مشهد الهروب: الجثث على الطرقات، الدخان، الأطفال الذين فقدوا أسرهم.
وتضيف: "لم يكن أحد في مأمن… الجميع كانوا أهدافًا."
المركز السويدي أشار في رصده إلى أن شهادتها تتسق مع روايات متكررة من ناجيات عشن ظروف الحصار، خصوصًا مشاهد الهروب تحت النيران وغياب أي ممرات آمنة.
د. أماني الطويل: "انهيار كامل لمفهوم الحماية"
تحولت مداخلة د. أماني الطويل إلى شهادة شخصية عن متابعتها الدقيقة لما حدث خلال شهور الحصار:
"هذا ليس صراعًا سياسيًا… هذا تفكيك كامل للحياة."
وأضافت:"الشهادات التي نسمعها اليوم تتطابق تمامًا مع ما وثقناه… الحصار كان عملية تجويع وإرهاب ممنهجة."
المركز أكد أن هذه الشهادة تتطابق مع ما ورد إليه من بلاغات حول استخدام التجويع كسلاح وترهيب المدنيين."أخي الصحفي اختفى… لم نجد إلا كاميرته المحطمة
روى شاب من الخرطوم قصة اختفاء شقيقه الصحفي: "بحثنا عنه في كل مكان… لم يبقَ سوى كاميرته المكسورة. قالوا لنا: انسوا الموضوع."
يشير المركز السويدي إلى أن هذه الشهادة تماثل حالات اختفاء قسري لصحفيين وثّقها منذ بداية التصعيد في دارفور.
الكاتب خالد محمود: "التاريخ يعيد نفسه… لكن بدمار أكبر"
قال الكاتب الصحفي خالد محمود: "نفس الطرق، نفس القرى، نفس الخوف… لكن حجم الدمار الآن أكبر بكثير."
وأضاف: "ما يحدث ليس مجرد حرب، إنه تفريغ كامل لدارفور من سكانها الأصليين."
ووفقًا لرصد المركز السويدي، فإن هذه الإشارة إلى التفريغ السكاني تأتي ضمن عشرات التقارير التي تحذر من موجات نزوح غير مسبوقة قد تغيّر البنية السكانية للإقليم.
"الناس كانوا يموتون لأنهم لم يجدوا طريقًا آمنًا"
روى رجل خمسيني عاش الحصار: "كثيرون ماتوا لأنهم لم يجدوا طريقًا آمنًا… بعضهم مات عطشًا."
المركز السويدي أكّد أن هذه الشهادات تنسجم مع تقاريره عن إغلاق طرق الهروب ووجود حواجز تُستخدم لإيذاء الفارين بدل حمايتهم.
د. أميرة أحمد: "هذه شهادة مجتمع بأكمله ينهار"
قالت د. أميرة أحمد:"هذه ليست قصص أفراد… إنها شهادة مجتمع بأكمله ينهار."
"النساء هن الحلقة الأكثر هشاشة… والأكثر صمودًا."
المركز يشير إلى أن حجم صدمات النساء في دارفور أصبح محورًا أساسيًا في تقارير الرصد التي يُعدّها خلال الفترة الماضية، مع التركيز على تداعيات الانهيار الاجتماعي والحماية الأسرية.
العنف الجنسي ضد النساء… "البعض عاد لا يشبه نفسه"
قالت إحدى الناجيات: "بعض النساء لم يستطعن الهرب… وبعضهن عاد لا يشبه نفسه."وأكدت ابتسام الدومة وعزة محمد أحمد أن العنف الجنسي أصبح سلوكًا ممنهجًا.
المركز السويدي شدّد على أن هذا النمط من الانتهاكات موجود في شهادات عديدة تلقاها، ويعد من أخطر الجرائم الموثقة في سياق الأحداث.
المحامي الصادق علي حسن: "وقائع لا يمكن كتابتها من شدّة قسوتها"
قال: "وصلتنا شهادات عن قتل وتعذيب واعتداءات لا يمكن تدوين تفاصيلها."
"هذه الجرائم تُصنّف كجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية."
المركز السويدي اعتبر أن هذه الشهادة تتوافق مع توصيفه القانوني للانتهاكات الواردة في تقاريره الدورية.
الصحفيون… بين الخطر والاختفاء
روى طاهر المعتصم:"صحفيون كتبوا لي: لا نعرف إن كنا سنعيش للغد."
وقالت الصحفية إيمان فضل: "شاهدت صحفيين يدفنون موادهم خوفًا من التفتيش. التوثيق أصبح مخاطرة يومية."
المركز السويدي نوّه بأن المخاطر التي يتعرض لها الصحفيون في دارفور تُعد من أعلى مستويات الخطر عالميًا وفقًا لمتابعاته.
بين الخوف والنجاة… ومسؤولية الحكاية
اختتمت الصحفية مروة كامل الجلسة:
> "الشهادة ليست مجرد رواية… إنها إعلان بقاء ومحاولة لانتزاع الحقيقة."
دور المركز السويدي في الرصد والمتابعة
يؤكد المركز السويدي لتنمية اللاجئين أن الشهادات التي عُرضت خلال هذا اليوم تتقاطع بالكامل مع ما وثّقه خلال الأشهر الماضية من:
استهداف ممنهج للمدنيين
عمليات تجويع وحصار
عنف جنسي واسع النطاق
اختفاء قسري لصحفيين وناشطين
نزوح جماعي يهدد التركيبة السكانية
انهيار مجتمعي كامل
ويرى المركز أن الفعالية شكلت وثيقة حيّة تعكس عمق الكارثة الإنسانية، وتدفع باتجاه ضرورة التحرك الدولي العاجل لحماية المدنيين، ودعم الناجين، ومساءلة مرتكبي الانتهاكات.
الختام… صمت ثقيل ونجاة معلّقة
خرج الحاضرون محمّلين بثقل القصص أكثر من التحليل السياسي.
وكان الصمت الذي يهبط بعد كل شهادة هو الدليل الأكبر على أن ما يجري في الفاشر ليس مجرد حدث… بل جرح مفتوح في جسد وطن.









0 comments:
إرسال تعليق