728x90 AdSpace

  • عاجل

    السبت، 11 أكتوبر 2025

    الحريديم: عالم مغلق داخل الدولة الحديثة — بين الدين والعزلة والمشاركة المحدودة




    الحريديم (بالعبرية: חרדים) هم التيار الأكثر تشددًا داخل اليهودية الأرثوذكسية، ويُعرفون بتشبثهم الحرفي بالتوراة والتلمود ورفضهم الانفتاح الكامل على الحداثة والعلمانية. يشكّلون اليوم ما يقارب 13% من سكان إسرائيل، ونسبًا متفاوتة من اليهود في الولايات المتحدة وأوروبا، وتزداد أعدادهم بسرعة نتيجة ارتفاع معدلات المواليد داخل مجتمعهم المغلق.

    النشأة والتطور التاريخي

    تعود جذور الحريديم إلى أوروبا الشرقية في القرن التاسع عشر، كردّ فعل على حركات "اليهودية الإصلاحية" و"اليهودية المحافظة" التي سعت لتحديث الدين اليهودي ومواكبته للعصر الحديث. رأى قادة الحريديم أن تلك الحركات تهدد نقاء الإيمان اليهودي، فأسسوا مدارس دينية (يشيفوت) لحماية التعليم الديني من التأثر بالحداثة.

    بعد الحرب العالمية الثانية، انتقل مركز الثقل الحريدي إلى فلسطين ثم إلى إسرائيل بعد قيامها عام 1948. ورغم معارضتهم الصريحة لفكرة "الدولة الصهيونية" باعتبارها مشروعًا دنيويًا سابقًا للمجيء المنتظر للمسيح اليهودي، فإنهم سرعان ما استفادوا من النظام السياسي الجديد، ونجحوا في ضمان امتيازات واسعة لمجتمعهم مقابل دعمهم الائتلافي للحكومات.

    الحياة اليومية ونمط المعيشة

    يعيش الحريديم في مجتمعات شبه مغلقة، أبرزها أحياء بني براك ومئة شعاريم في القدس.

    تتميز حياتهم بالبساطة من حيث المظهر، والالتزام الصارم بالتقاليد الدينية:الرجال يرتدون ملابس سوداء، قبعات عالية، ولديهم لحى طويلة.

    النساء يلتزمن بلباس محتشم يغطي الجسد بالكامل، وغالبًا يغطين شعرهن بعد الزواج.

    العائلة هي محور الحياة، وعدد الأبناء في الأسرة الحريدية يتراوح بين 6 إلى 10 أطفال في المتوسط، وهو ما يعكس مكانة الخصوبة في عقيدتهم.

    العادات الاجتماعيةد

    يُقدّس الحريديم الدراسة الدينية، ويقضون معظم أوقاتهم في المعاهد التوراتية.

    الزواج يتم غالبًا عبر الوساطة الدينية، في سن مبكرة نسبيًا.

    يُمنع استخدام التكنولوجيا أو يُقيد بشدة، حيث يُنظر إلى الإنترنت والتلفاز كأدوات تفسد الأخلاق.

    وتُعتبر السبت أهم أيام الأسبوع لديهم، حيث تتوقف الحياة تمامًا عن أي نشاط دنيوي.

    من ناحية العلاقات الاجتماعية، فإن الحريديم يفضلون العيش في مجتمعاتهم الخاصة، ويتعاملون بحذر مع غير المتدينين، سواء كانوا يهودًا علمانيين أو من ديانات أخرى.

    الوضع الاقتصادي والتحديات

    رغم ارتفاع معدلات الفقر بين الحريديم، فإنهم يعتمدون على نظام دعم داخلي وخارجي:

    الحكومة الإسرائيلية توفر إعانات سخية للمدارس الدينية والعائلات ذات الأطفال الكُثر.

    الجمعيات الحريدية توفر مساعدات غذائية ومالية لأعضائها.

    الرجال يقضون سنوات طويلة في الدراسة الدينية دون عمل رسمي، بينما تتحمل النساء عبء إعالة الأسرة عبر العمل في التعليم أو الخدمات المجتمعية.

    إلا أن هذا النمط الاقتصادي أثار جدلاً في إسرائيل، خاصة مع تزايد عدد الحريديم ومطالبة التيارات العلمانية بدمجهم في سوق العمل والخدمة العسكرية.

    العلاقة مع الدولة والمجتمع الإسرائيلي

    تتراوح علاقة الحريديم بالدولة بين التعاون السياسي والعزلة المجتمعية.

    فبينما تشارك أحزابهم (مثل "شاس" و"يهود التوراة المتحدون") في الحكومات وتتحكم في بعض الملفات الدينية والاجتماعية، يرفض كثير منهم الانخراط في الخدمة العسكرية، ويرون في الصهيونية مشروعًا دنيويًا لا يعبّر عن "الإرادة الإلهية".

    هذا التناقض جعلهم في صلب النقاش الإسرائيلي الدائم بين الهوية الدينية والعلمانية، وبين الطابع اليهودي والطابع الديمقراطي للدولة.

    التحولات الحديثة

    في السنوات الأخيرة، بدأت تظهر بوادر تغير داخل المجتمع الحريدي:

    بعض الشباب يسعون للتعليم الجامعي والانخراط في الاقتصاد الحديث.

    تزايد استخدام الإنترنت، وإن كان ضمن ضوابط مشددة.

    مشاركة نساء حريديات في الحياة العامة والتعليم العالي.

    لكن رغم ذلك، لا تزال الجدران الاجتماعية والفكرية قائمة، ويستمر الحريديم في الحفاظ على طابعهم المغلق كـ"دولة داخل الدولة".

    يبقى مجتمع الحريديم واحدًا من أكثر المجتمعات اليهودية غموضًا وتعقيدًا، يجمع بين الإيمان العميق والانعزال المقصود.

    فبينما يرفضون الحداثة خوفًا على نقاء العقيدة، يعيشون في قلب دولة متطورة تكنولوجيًا وسياسيًا، ما يجعل وجودهم تجربة فريدة في توازن التناقضات بين الدين والدولة، والعزلة والمشاركة، والتقليد والتغيير.


    • Blogger Comments
    • Facebook Comments

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: الحريديم: عالم مغلق داخل الدولة الحديثة — بين الدين والعزلة والمشاركة المحدودة Rating: 5 Reviewed By: المركز السويدى لتطوير اللاجئين
    Scroll to Top