728x90 AdSpace

  • عاجل

    السبت، 1 نوفمبر 2025

    السودان.. وطن يتنازع عليه الداخل والخارج



    في صباحٍ من يناير عام 1956، رفع السودانيون علمهم الجديد معلنين نهاية عهد الاستعمار البريطاني وبداية استقلالٍ طال انتظاره.

    كانت الخرطوم حينها تحتفي بولادة دولةٍ تحمل وعودًا كبيرة، لكنها وُلدت وهي تحمل في رحمها بذرة انقسامٍ عميق بين الشمال العربي المسلم والجنوب الإفريقي المسيحي والوثني.

    منذ البداية، كان الجنوب يعاني من التهميش والفقر، في حين تمتع الشمال بنصيبٍ أكبر من التعليم والتنمية.

    ذلك الخلل البنيوي، الذي ورثه السودان من الاستعمار، كان الشرارة التي أشعلت سلسلة الحروب التي لم تنطفئ حتى اليوم.

     حرب الجنوب الأولى (1955 – 1972)

    قبل إعلان الاستقلال بأيام، بدأت التمردات الجنوبية ضد هيمنة الشمال.

    وبينما كانت الحرب تشتعل في الأدغال، نشطت الجمعيات التبشيرية الأوروبية – خصوصًا النرويجية والبريطانية – في الجنوب، فأنشأت مدارس ومستشفيات ظاهريًا، لكنها كانت في العمق تغرس بذور الانقسام الديني والثقافي، وتعمل على خلق هوية جنوبية منفصلة عن الشمال العربي الإسلامي.

    استمرت الحرب 17 عامًا، حتى جاء الرئيس جعفر النميري ليوقّع اتفاقية أديس أبابا عام 1972، التي منحت الجنوب حكمًا ذاتيًا.

    ساد السلام برهة قصيرة، لكنه كان سلامًا هشًّا، مهددًا من الداخل والخارج على السواء.

     الشريعة والنار (1983 – 2005)

    في عام 1983، أعلن النميري تطبيق الشريعة الإسلامية على كامل السودان، فاشتعلت الحرب مجددًا بقيادة جون قرنق والحركة الشعبية لتحرير السودان، التي تلقت دعمًا لوجستيًا وفكريًا من منظمات غربية وتبشيرية، كان هدفها المعلن “تحرير الجنوب”، وهدفها الخفي “فصل الجنوب عن الشمال”.ن

    في هذه المرحلة، نشط الدور الأمريكي والإسرائيلي في دعم الحركات الانفصالية تحت غطاء المساعدات الإنسانية، إدراكًا منهم لأهمية السودان الاستراتيجية وموارده الهائلة.

    تتابعت الانقلابات:

    انقلاب سوار الذهب (1985)

    حكومة الصادق المهدي

    ثم انقلاب عمر البشير (1989)، الذي حكم البلاد بقبضة من حديد لثلاثة عقود.

     اتفاق السلام الشامل (2005)

    بضغطٍ أمريكي ودولي مكثف، وُقّعت اتفاقية السلام الشامل بين البشير وقرنق عام 2005.

    لكن بعد أشهر فقط، قُتل جون قرنق في حادث مروحية غامض، لتعود الشكوك والريبة من جديد.

    الاتفاق منح الجنوب حق تقرير المصير، وهو ما مهد لاحقًا للانفصال.

     الانفصال وولادة دولة الجنوب (2011)ن

    في استفتاء 2011، صوّت الجنوبيون بنسبة 99% لصالح الانفصال.

    وفي 9 يوليو من العام نفسه، وُلدت دولة جنوب السودان رسميًا، لتتحقق بذلك واحدة من أطول وأخطر مشاريع التفتيت في إفريقيا.

    خسر السودان الشمالي أكثر من 70% من موارده النفطية، ومعها بدأ الانهيار الاقتصادي والسياسي.

    أما الجنوب، فسرعان ما دخل في حروب داخلية جديدة، لتبقى يد القوى الأجنبية تعبث بحدوده وثرواته. 

     دارفور والجنجويد (2003 – 2019)

    بينما كان العالم يحتفل بـ"السلام"، اشتعلت دارفور.

    شعرت قبائلها بالتهميش، فرفعت السلاح، وردّ البشير بإطلاق ميليشيات الجنجويد بقيادة حميدتي، فارتُكبت مجازر بشعة وصُنّف النظام كمجرم حرب أمام المحكمة الجنائية الدولية.

    خلال تلك الفترة، تضاعف الحضور الغربي والأمريكي في المنطقة تحت لافتة الإغاثة الإنسانية، فيما كانت إسرائيل تتسلل عبر دعمٍ غير مباشر لبعض الفصائل لضمان موطئ قدمٍ استراتيجي في قلب إفريقيا.

     الثورة والخيبة (2019 – 2021)

    أسقطت الثورة الشعبية نظام البشير عام 2019، فتنفس الشعب السوداني الصعداء.

    لكن سرعان ما تشكّل مجلس عسكري بقيادة البرهان وحميدتي، ليبدأ صراعٌ جديد بين المدنيين والعسكر.

    وجاءت مجزرة القيادة العامة لتغلق باب الأمل، بعدما أُريق دم المئات من المعتصمين السلميين.

     الحرب بين الإخوة (2023 – اليوم)

    في أبريل 2023، انفجر الصراع بين البرهان وحميدتي في حربٍ شاملة دمّرت الخرطوم وأحرقت دارفور.

    وراء الستار، تتصارع القوى الإقليمية والدولية:

    الإمارات تدعم قوات الدعم السريع (حميدتي)

    السعودية ومصر تميلان نحو الجيش (البرهان)

    روسيا عبر فاغنر تطمح في ذهب دارفور

    الولايات المتحدة وإسرائيل تتابعان المشهد لتأمين مصالحهما في البحر الأحمر والموارد النادرة

    أما الجمعيات النرويجية والتبشيرية، فما زالت تواصل نشاطها الإنساني المعلن، لكن بتمويلاتٍ مثيرة للجدل وارتباطاتٍ سياسية متزايدة، تثير المخاوف من مشروع تفكيكٍ جديد يستهدف الشرق أو الشمال لاحقًا.

    🕊️ السودان... وطن بين الحياة والموت

    اليوم، يعيش السودان أكبر مأساة إنسانية في إفريقيا:

    مدن مدمّرة، ملايين النازحين، جوع ومرض وانقطاع كامل عن العالم.

    وطنٌ كان يُعرف يومًا بـ“سلة غذاء إفريقيا”، بات يبحث عن رغيفٍ وأمانٍ ومعنى للبقاء.

    ومع ذلك، يبقى في السودان نبض لا ينكسر، لأن الشعوب الحية مهما نزفت، لا تموت.

    د محمود الدبعي

    رئيس المركز السويدى لتنمية ودمج اللاجئين  بالسويد 

    • Blogger Comments
    • Facebook Comments

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: السودان.. وطن يتنازع عليه الداخل والخارج Rating: 5 Reviewed By: المركز السويدى لتطوير اللاجئين
    Scroll to Top