السويد (مثل غيرها من دول الاتحاد الأوروبي) نحو تسريع مسارات الإبعاد والعودة، سواء عبر تشديد شروط اللجوء أو عبر زيادة الحوافز المالية للمغادرة الطوعية. والسؤال المفتوح: هل يمكن أن تعمل “سياسة الحوافز” لوحدها؟ أم أنها بلا قيمة إذا لم تتحول إلى “بنية إعادة إدماج” حقيقية في بلد المنشأ؟
الخبرة الدولية تقول: الحوافز بلا بنية إعادة إدماج = إعادة إنتاج نفس أسباب الهجرة بعد أشهر قليلة فقط من عودة الشخص.
ما الفجوة؟
الإدارات في السويد تركز اليوم على عامل “الإخراج” (exit) أكثر من عامل “الاستقرار اللاحق في بلد الأصل” (reintegration). بينما المبادئ التي تعلنها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين + المنظمة الدولية للهجرة، أصبحت واضحة: العودة لا تكون “آمنة وكريمة” إلا إذا كانت طوعية ومعلوماتية ومدعومة بخدمات اندماج اقتصادي واجتماعي.
الإبعاد “السريع” قد يعالج الضغط السياسي في بلد المقصد… ولكنه إذا لم يعالج سبب المغادرة في بلد المنشأ، فهو عملياً يؤسس لهجرة جديدة، أو عودة إلى سوق التهريب، أو إعادة طلب لجوء في بلد آخر.
لذلك أين العمل الجاد؟
هناك 4 حقول عمل ممكنة وعملية ويمكن أن تبنى عليها سياسات مشتركة (سويد + دول المنشأ + منظمات دولية):
1) تقييم فردي مسبق (case management)
قبل قرار العودة تقييم مهارات، مخاطر، قدرة على التوظف، حالات العنف/الاتجار، حاجات حماية خاصة.
هذا ليس “ترف إنساني”، بل شرط تقني حتى لا نرسل شخصاً إلى منطقة أو مدينة لا يمكن أن يعيش فيها أو لا يستطيع الوصول فيها إلى سوق العمل.
2) اتفاقات Readmission مشروطة ببناء قدرات إنتاج
إذا كان هناك دعم مالي ثنائي — يجب أن لا يكون “مقابل قبول” فقط.
يجب أن يذهب للدعم الهيكلي في البلد المستقبل (سوريا/عراق/صومال):
برامج تدريب مهني مرتبطة بحاجات السوق المحلي
شراكات مع القطاع الخاص المحلي
حاضنات أعمال صغيرة للعائدين
ضمان سكن مرحلي مؤقت
هذه ليست كلفة “إنسانية”، هذه استثمار في كسر دورة الهجرة.
3) آلية متابعة بعد 12 و 24 شهراً
المعيار الحقيقي لنجاح العودة ليس كم شخص عاد
بل كم شخص عاد واستقر ولم يهجر ثانية
لذلك يجب أن تلزم الاتفاقات الحكومية بإنشاء آلية متابعة مستقلّة بتمويل واضح، مع تقارير نصف سنوية مشتركة.
4) إشراك منظمات التنفيذ وليس الحكومات فقط
IOM و UNHCR + منظمات المجتمع المدني المحلية هي التي تمتلك شبكات التنفيذ والمراقبة على الأرض.
إدخالها شريك رسمي في تصميم البرامج وتنفيذها ومراقبتها، يجعل عملية العودة ليست مجرد “ملف أمني” بين دولتين، بل عملية تنموية لها ملكية محلية.
ما الذي يجب أن يحصل في السويد الآن؟
هذا هو جوهر صياغة التوصية:
انتقال من سياسة “تحفيز المغادرة” إلى سياسة “تحفيز الاستقرار في بلد المنشأ”
مع ربط أي إنفاق مالي سويدي في ملف الإعادة، بأهداف ونتائج قابلة للقياس، أهمها:
مؤشر نتيجة رئيسي لماذا مهم؟
نسبة العائدين الذين يعملون بعد 12 شهراً مؤشر الاندماج الاقتصادي
نسبة العائدين الذين لم يهاجروا ثانية بعد 24 شهراً مؤشر فعالية كسر دورة الهجرة
عدد المشروعات الصغيرة التي استمرت لأكثر من سنة مؤشر بناء فرص ذاتية
هذه أرقام يمكن قياسها وليست شعارات سياسية.
خاتمة
سواء اتفقنا أو اختلفنا سياسياً مع شدّة قوانين الهجرة الجديدة الرفض أو القبول ليس هو النقطة.
النقطة الحقيقية: هل ننتج نتائج أفضل أم لا؟
إذا كان المشروع هو خفض أعداد الهجرة غير النظامية، فهذا لا يحصل بقرار إخراج فقط، بل بمنظومة “إعادة إدماج” مبنية على:حماية وتعليم مهني و عمل وسكن
ومتابعةالسياسة الجيدة لا تُعرَّف بعدد الناس الذين أُبعدوا بل بعدد الناس الذين لم يضطروا للهرب مرة ثانية.
بقلم محمود الدبعي رئيس المركز السويدى لتنمية اللاجئين

0 comments:
إرسال تعليق