الفاشر
بينما تتواصل موجات النزوح من مدينة الفاشر المنكوبة شمال دارفور، تتصاعد قصص الفقد والوجع التي تعصف بقلوب الأمهات، إذ لا حصر لعدد الأطفال الذين فُقدوا في خضم الفوضى والعنف، وسط شهادات عن انتهاكات جسيمة تتراوح بين القتل والاختطاف والعنف الجنسي.
رحلة الهروب المأساوية
تجلس مريم حماد أمام خيمتها البالية في العراء قرب منطقة طويلة، تبكي بحرقة فقدان ابنها الأصغر الذي تاه منها خلال رحلة الفرار من الفاشر.
تقول وهي تغالب دموعها: "قررنا الهروب بعدما اشتدت الهجمات على المدينة، كانت النيران تلتهم البيوت والدخان يغطي السماء، والرصاص يتطاير من كل صوب. حاولت أن أمسك بأيدي أبنائي طوال الطريق، لكني فقدت طفلي الصغير وسط الزحام، ولا أعلم إن كان حياً أم مات."
وتروي مريم أن الرحلة كانت محفوفة بالمخاطر، إذ اعترضتهم مجموعات مسلحة من قوات "الدعم السريع" قرب منطقة قرني، قامت بتفتيشهم ونهب ممتلكاتهم، ما زاد الفوضى التي تسببت في تفرق العديد من الأطفال عن ذويهم.
وتضيف بحرقة: "موته أمامي أهون عليّ من ضياعه بلا أثر."
أحزان مضاعفة
كلثوم محمد، ناجية أخرى من الفاشر، فقدت معظم أفراد أسرتها في الهجوم، ولم يبقَ لها سوى طفلها الوحيد الذي فُقد هو الآخر خلال النزوح. تقول:
"قتل والداي وإخوتي وزوجي أمام عيني، ونجوت مع ابني بمعجزة، لكني فقدته في الطريق إلى طويلة. كنت أراقبه باستمرار، وفجأة اختفى وسط الزحام. أحيا الآن على أمل أن يكون قد وصل مع النازحين الآخرين."
وتوضح كلثوم أن التواصل مع ذويها العالقين داخل المدينة أصبح شبه مستحيل، مما يجعل البحث عن الأطفال التائهين مهمة قاسية في ظل انقطاع الاتصالات وانعدام الأمن.
أطفال بلا حماية
تقدّر مصادر ميدانية وصول نحو 450 طفلاً إلى منطقة طويلة بعد أحداث الفاشر دون ذويهم، إلى جانب 930 طفلاً آخرين سبق أن نزحوا منفصلين عن أسرهم.
وفي هذا السياق، حذّرت المديرة التنفيذية لمنظمة اليونيسيف، كاثرين راسل، من أن أكثر من 130 ألف طفل في الفاشر يواجهون تهديدات جسيمة، بينها الاختطاف والقتل والتشويه والعنف الجنسي، مؤكدة أنه "لا يوجد طفل في مأمن هناك".
وجددت المنظمة دعوتها إلى وقف فوري لإطلاق النار وتأمين وصول المساعدات الإنسانية، مع ضرورة إنشاء ممرات آمنة للعائلات الفارة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
تحذيرات أممية ومطالب إنسانية
من جانبها، أعلنت منظمة الهجرة الدولية أن أكثر من 26 ألف شخص فروا من الفاشر خلال يومين فقط من سقوطها، معبرة عن قلقها إزاء الانتهاكات الخطرة التي تشمل استهداف المدنيين والعنف القائم على النوع الاجتماعي والاعتداءات ذات الطابع العرقي.
كما طالبت بتوفير الإغاثة العاجلة وحماية النازحين، خاصة النساء والأطفال الذين يعيشون في ظروف إنسانية وصحية متدهورة.
أصل المأساة
يؤكد المتحدث باسم منسقية النازحين واللاجئين، آدم رجال، أن ما يجري في الفاشر "كارثة إنسانية غير مسبوقة"، محمّلاً مسؤولية ما حدث لكل الأطراف المتقاتلة.
وقال رجال إن "الجيش انسحب وترك المواطنين بلا حماية، فيما ارتكبت قوات الدعم السريع جرائم ضد الإنسانية"، مشيراً إلى أن آلاف الأسر فقدت أبناءها أثناء الفرار، وأن الوضع في معسكرات الإيواء يزداد سوءاً مع نقص الغذاء والماء والدواء.
وطالب رجال المجتمع الدولي بـ"تحرك عاجل يضع حداً للحرب ويوقف نزيف المدنيين".
جراح مفتوحة وطفولة ضائعة
تقول خديجة دايا، مسؤولة مكتب المرأة والطفل في الإدارة المدنية التابعة لحركة "جيش تحرير السودان"، إن فرقهم الميدانية رصدت 126 طفلاً منفصلين عن أسرهم تتراوح أعمارهم بين 3 و17 سنة.
وبيّنت أن أكثر من نصفهم تتراوح أعمارهم بين 10 و15 عاماً، بينما يشكل الأطفال دون العاشرة نحو 30 في المئة.
وأضافت أن الحالات تتركز في ولايات دارفور الكبرى، خصوصاً الفاشر ومحيطها، إلى جانب مناطق مثل نيالا وطويلة وكتم وكبكابية، مشيرة إلى أن بعض الأطفال يعيشون حالياً في الأسواق أو قرب المدارس دون أي رعاية أو حماية.
وحذّرت دايا من تفاقم الكارثة قائلة: "كل يوم يمر دون تدخل إنساني منسق يعني مزيداً من الأطفال بلا أسر، ومزيداً من الجراح المفتوحة في جسد المجتمع السوداني."

0 comments:
إرسال تعليق