728x90 AdSpace

  • عاجل

    الجمعة، 14 نوفمبر 2025

    التطوع ثقافة انسانية و إرادة وهمة




    ثمة حقيقة لا يمكن تجاهلها: أن التطوّع لم يعد خياراً ثانوياً، بل أصبح اليوم ثقافة إنسانية عبارة للقارات، تُبنى عليها نهضات الأمم وقوة مجتمعاتها.

    في  العالم الغربي، لا يُنظر إلى التطوع بوصفه عملاً موسمياً، بل كمنهج حياة تتشارك فيه المؤسسات الكبرى مع الأفراد من مختلف الأعمار. شبابٌ وصبايا وكبار في السن، يشدّون الرحال حول العالم ، ويتحمّلون تكاليف السفر والإقامة، أو يتقاسمونها مع جهات داعمة، لأن الهدف عندهم أكبر من أي مردود مادي: خدمة قضية إنسانية يؤمنون بها.

    ومع موجة اللاجئين وما رافقها من تحديات، شاهد العالم بأعينه كيف أن المبادرات التطوعية استطاعت إنقاذ أرواح، وتخفيف محن، وخلق أمل في قلب اليأس. لقد أثبتت التجربة أن المتطوع الواحد قد يكون مؤسسة كاملة حين يتحرك بإرادة صادقة.

    ومع ذلك، لا تزال  مجموعات الشباب العربي  – للأسف – بعيدة عن هذا الوعي العميق. فكثيرون لا يتحركون إلا إذا كان هناك مقابل مالي، وكأن روح المبادرة قد اختُزلت في ثمن، بينما يمكن للمرء أن يقضي نهاره في فراغ، بدلاً من استثماره في عمل يعود عليه وعلى غيره بالخير.

    إن ثقافة التطوع ليست غريبة عن تراثنا؛ بل هي من صميم قيمنا. تاريخنا مليء بقصص التعاون، وكفالة الضعفاء، وتعليم الجاهل، وإغاثة المحتاج. نحن لسنا بحاجة إلى اختراع ثقافة جديدة، بل إلى إحياء ما هو أصيل فينا. المتطوع جزء من  جبر الخواطر .

    إن  جموع الشباب اليوم تحتاج إلى من يُدرّس اللغات، ويصقل المهارات المهنية، ويغرس الأخلاق، ويرعى أبناء الجيل الثاني.

    حاجات مصيرية، لا تحتمل التأجيل، ولا تتحمل انتظار "من يدفع". ومعظمنا غارق في دوامة العمل والرزق إلى درجة جعلت أبناءنا بلا رعاية كافية… وهذه وصفة أكيدة لخسارة مستقبل أجيال بأكملها.

    لذلك، نحن بحاجة إلى نقلة نوعية في مفهوم التطوع داخل مجتماعاتنا:

    نقلة تقوم على تنمية شاملة للقدرات، ودورات تساعد المتطوعين على تعزيز مهاراتهم، والتصرف بثقة وفاعلية، والعمل بشفافية واضحة، تجعل التطوع عملاً منظماً لا فوضوياً، مؤسسيًّا لا فردياً.

    نحتاج أن ندرك أن التطوع ليس عبئاً، بل قيمة مضافة، وأن المتطوع لا يقدّم فقط للآخرين، بل ينهض بنفسه أولاً؛ يوسّع خبراته، يقوّي لغته، يعزّز حضوره الاجتماعي، ويرفع من مكانته الإنسانية.

    إن بناء مجتمع قوي يبدأ من فكرة صغيرة، من مبادرة صادقة، من ساعة تطوع في الأسبوع.

    ومن يتحرك اليوم، ولو بخطوة، يصنع أثراً لا يمكن قياسه… ومن يبقى متفرجاً، يخسر نفسه قبل أن يخسر غيره.

    التطوع ليس شِعاراً… إنه رسالة.

    ولعل محتمعاتنا اليوم في أمسّ الحاجة إلى من يحمل هذه الرسالة، ويمضي بها إلى الأمام، ليصنع مستقبلاً يستحق أن نعيش فيه ونتركه لمن يأتي بعدنا.

    د محمود الدبعي

     رئيس المركز السويدى لتنمية اللاجئين 

    • Blogger Comments
    • Facebook Comments

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: التطوع ثقافة انسانية و إرادة وهمة Rating: 5 Reviewed By: المركز السويدى لتطوير اللاجئين
    Scroll to Top