تحت شعار “الحفاظ على الأقليات”، رفع الغرب راية الإنسانية بينما طمست جيوشه أمماً كاملة من الوجود. ومن أكثر الفصول دموية في هذا التاريخ، مأساة الرجل الذي عُرف تهكّماً باسم "كينغ بيل"، آخر رجال السكان الأصليين في جزيرة تازمانيا، الواقعة جنوب أستراليا.
ولد ويليام لاني عام 1835 في الجزيرة التي كانت تُعرف آنذاك باسم فان ديمنز لاند (Van Diemen’s Land)، وكان ينتمي إلى شعب مسالم لم يعرف الحرب ولا الحديد، بل عاش متصالحاً مع الغابات والأرض. لكن وصول المستعمر البريطاني في القرن التاسع عشر كان بداية النهاية.
أعلن الاحتلال الجزيرة “أرضاً بلا سكان”، وشنّ حرب إبادة عُرفت تاريخياً باسم “الحرب السوداء”، قُتل فيها الرجال وسُبيت النساء والأطفال، الذين أُرسلوا إلى ما سُمّي آنذاك بـ“معسكرات التحضّر”، حيث قضى معظمهم جوعاً ومرضاً وسوء معاملة.
كان ويليام أحد القلائل الذين نجوا من تلك المأساة، ونُقل إلى محمية في جزيرة فليندرز ضمن مشروع “التمدين” القسري، ليشهد بأم عينه انقراض قومه من نحو 15 ألف إنسان إلى مجرد أفراد معدودين، حتى صار هو آخرهم.
لاحقاً، انتقل إلى مدينة هوبارت عاصمة تازمانيا، وعمل بحاراً على متن السفن. ومع ذلك، لم يُنظر إليه إلا كـ“أثر بشري نادر”، وصار معروفاً بين الأوروبيين بلقب “كينغ بيل” — لقب ساخر يرمز إلى “آخر ملوك عرقه”.
في عام 1869، توفي ويليام لاني عن عمر 34 عاماً إثر عدوى صدرية يُرجح أنها كانت السلّ أو التهاباً رئوياً، لكن مأساته لم تنتهِ بموته.
إذ اندلع صراع بين المتحف الملكي والكلية الطبية في هوبارت حول من يستحوذ على جثمانه، لينتهي الأمر بجريمة بشعة: بُتر رأسه وسُرقت جمجمته وأعضاؤه التناسلية لاستخدامها في دراسات عنصرية كانت تُعرف آنذاك باسم “الأنثروبولوجيا العلمية”، لتغذية نظريات التفوّق العِرقي التي تبناها الغرب آنذاك.
اليوم، يُذكر اسم ويليام لاني في المناسبات الرسمية في تازمانيا كرمزٍ للذاكرة المكلومة، وتستمر الجهود لإعادة رفاته ودفنه بكرامة تليق بآخر أبناء شعب أُبيد تحت راية “التحضّر”.

0 comments:
إرسال تعليق